محمد بن جرير الطبري

116

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فقال : لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا سويد بن عمرو ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ قال : ما شك وما سأل . حدثني الحرث ، قال : ثنا القاسم بن سلام ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ومنصور ، عن الحسن في هذه الآية ، قال : لم يشك صلى الله عليه وسلم ولم يسأل . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا أشك ولا أسأل " . حدثنا محمد بن عبد الأَعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ قال : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا أشك ولا أسأل " . فإن قال : فما وجه مخرج هذا الكلام إذن إن كان الأَمر على ما وصفت ؟ قيل : قد بينا في غير موضع من كتابنا هذا استجازة العرب قول القائل منهم لملوكه : إن كنت مملوكي فانته إلى أمري ؛ والعبد المأمور بذلك لا يشك سيده القائل له ذلك أنه عبده . كذلك قول الرجل منهم لابنه : إن كنت ابني فبرني ؛ وهو لا يشك في ابنه أنه ابنه ، وأن ذلك من كلامهم صحيح مستفيض فيهم ، وذكرنا ذلك بشواهد ، وأن منه قول الله تعالى : وَإِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وقد علم جل ثناؤه أن عيسى لم يقل ذلك . وهذا من ذلك ، لم يكن صلى الله عليه وسلم شاكا في حقيقة خبر الله وصحته ، والله تعالى بذلك من أمره كان عالما ، ولكنه جل ثناؤه خاطبه خطاب قومه بعضهم بعضا ، إذ كان القرآن بلسانهم نزل . وأما قوله : لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ الآية ، فهو خبر من الله مبتدأ ، يقول تعالى ذكره : أقسم لقد جاءك الحق اليقين من الخبر بأنك لله رسول ، وأن هؤلاء اليهود والنصارى يعلمون صحة ذلك ، ويجدون نعتك عندهم في كتبهم . فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ يقول : فلا تكونن من الشاكين في صحة ذلك وحقيقته . ولو قال قائل : إن هذه الآية خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم والمراد بها بعض من لم يكن صحت بصيرته بنبوته صلى الله عليه وسلم ممن كان قد أظهر الإِيمان بلسانه ، تنبيها له على موضع تعرف حقيقة أمره الذي يزيل اللبس عن قلبه ، كما قال جل ثناؤه : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً ؛ كان قولا غير مدفوعة صحته . القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ولا تكونن يا محمد من الذين كذبوا بحجج الله وأدلته ، فتكون ممن غبن حظه وباع رحمة الله ورضاه بسخطه وعقابه . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ يقول تعالى ذكره : إن الذين وجبت عليهم يا محمد كلمة ربك ، وهي لعنته إياهم بقوله : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ فثبتت عليهم ، يقال منه : حق على فلان كذا يحق عليه : إذا ثبت ذلك عليه ووجب . وقوله لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ يقول : لا يصدقون بحجج الله ، ولا يقرؤن بوحدانية ربهم ولا بأنك لله رسول ، وقوله : وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ ولو جاءتهم كل آية وموعظة وعبرة فعاينوها حتى يعاينوا العذاب الأَليم ، كما لم يؤمن فرعون وملؤه ، إذا حقت عليهم كلمة ربك حتى عاينوا العذاب الأَليم ، فحينئذ قال : آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ